ابن سعيد علي بن موسى الأندلسي

91

المقتطف من أزاهر الطرف

وما زال قلبي يطرز الحلل التي تنسجها الفصاحة والبلاغة في فتوح الأقاليم ، يعوّده أرباب الإنصاف ، ومحامد الأوصاف ، من كل حاسد وراشق بالحواميم حتى ادخر اللّه له هذا الفتح الذي شققت له لسانه ، فعلا المنابر الخمس ، وجاش من بحر البيان مما يطرب ويلهج ، ويبهج كل سمع وناظر ونفس ، فكتبت إلى كل ذي طرف بمعنى ظريف ، ولفظ فصيح حصيف ، وسهرت تلك الليالي حتى نظمت اللآلي ، وبشرت المسجد الحرام بخلاص المسجد الأقصى ، وتلوت : « شرع لكم من الدين ما وصّى به نوحا » ، « 1 » وهنأت الحجر الأسود بالصخرة البيضاء ، ومنزل الوحي بمحلّ الإسراء ، ومقر سيد المرسلين وخاتم النبيين بمقر الرسل والأنبياء ، ومقام قدم إبراهيم الخليل بموضع قدم محمد المصطفى صلى اللّه عليه وعليهم أجمعين ، وأدام أهل الإسلام ببيته المقدس مستمتعين . ابن أبي منصور الدمياطي « 2 » : وزير الأشراف وكاتبه . كتب لصديق له : مررنا في بعض العشايا على بعض البساتين المجاورة للنيل فرأينا فيها « 3 » بئرا عليها دولابان متحدثان ، قد دارت أفلاكهما بنجوم القواديس ، ولعبت بقلوب ناظريها لعب الأماني بالمفاليس ، يئنان أنين أهل الأشواق ، ويفيضان دمعا أغزر من دموع العشاق ، والروض قد جلا للأعين زبرجده ، والأصيل قد راقه حسنه ، فنثر عليه عسجده ، والزهر قد نظم جواهره في أجياد الغصون ، والسلاسل قد أذالت من مسلسل فضتها كل مصون ، والنبت قد اخضر شاربه وعارضه ، وطرف النسيم قد ركضه في ميادين الزهر راكضه ، ورضاب الماء قد علاه من الظلال لما ، وحيات المجارى جارية ، تخاف من زمرد النبات العما ، والبحر قد صقل صيقل النسم درعه ، وزعفران العشى قد ألقى في ذيل الجو ردعه .

--> ( 1 ) سورة الشورى آية رقم 13 . ( 2 ) جاء في عنوان المرقصات والمطربات أنه وزير الملك الأشرف وهو من بلغاء المائة السابعة للهجرة . أنظر عنوان المرقصات ص 13 . ( 3 ) في الأصل : فيه .